محمد متولي الشعراوي

1371

تفسير الشعراوى

فما معنى الأسوة إذن ؟ إن الأسوة في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تقتضى أنه ما دام قد تحمل بجلادة بلاغ الناس في رسالته ، فعلينا أيضا أن نقتدى به . لقد ناضل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعلى أتباع رسول اللّه أن يناضلوا في سبيل نشر الدعوة ، فإن رأيت أهل الدين في استرخاء وترهل وعدم قدرة على النضال في سبيل البلاغ عن اللّه فلتعلم أن هؤلاء القوم لم يأخذوا ميراث النبوة . ولذلك إذا رأيت عالما من علماء الإسلام ليس له أعداء فأعلم أنه قد نقص ميراثه من ميراث الأنبياء . لماذا ؟ لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان له أعداء وكان يواجههم ، فساعة أن ترى رجل دين وله أعداء فاعرف أنه قد أخذ حظه من ميراث الأنبياء ولننظر الآن إلى قول الحق سبحانه تذييلا للآية يوضح لنا ما الإسلام : « وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ » لم يقل اللّه : إنه عليم بالعباد ، لأن « عليم » تكون للأمور العقدية ، لقد قال الحق في وصف ذاته هنا : « إنه بصير بالعباد » ، والبصر لا يأتي إلا ليدرك حركة وسلوكا . فماذا يرى اللّه من العباد ؟ إنه - سبحانه - يرى العباد المتحركين في الكون ، وهل حركة العبد منهم تطابق الإسلام أولا ؟ ومتابعة الحركة تحتاج إلى البصر ، ولا تحتاج إلى العلم ، وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول : إن كنتم تعتقدون أنى لا أراكم ، فالخلل في إيمانكم ، وإن كنتم تعتقدون أنى أراكم فلم جعلتمونى أهون الناظرين إليكم ؟ إذن فقول الحق : « وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ » نفهم منها أن الإسلام سلوك لا اعتقاد فقط ، لأن الذي يرى هو الفعل لا المعتقدات الداخلية . وما دام اللّه بصيرا بكل سكنات الإنسان وحركاته فإن الإنسان يستحى أن يراه ربه على غير ما يحب ، وأضرب هذا المثل للتقريب لا للتشبيه فالحق سبحانه له المثل الأعلى وليس كمثله شئ ، نحن في حياتنا العادية نجد أن الشاب الذي يدخن يستحى أن يظهر أمام كبار عائلته كمدخن ، فيمتنع عن التدخين أثناء تواجده مع الكبار ، فما بالنا بالعبد وهو يعتقد أن اللّه يراه ؟ وبعد ذلك يقول الحق :